القرطبي
75
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قال : فتزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط ، ولقد رأينا للكهنة أسجاعا وتخالجا فهل ( 1 ) رأيتموه كذلك ؟ قالوا : لا والله . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمى الصادق الأمين من كثرة صدقه . فقالت قريش للوليد : فما هو ؟ ففكر في نفسه ، ثم نظر ، ثم عبس ، فقال : ما هو إلا ساحر ! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ؟ ! فذلك قوله تعالى : " إنه فكر " أي في أمر محمد والقرآن " وقدر " في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما . " فقتل " أي لعن . وكان بعض أهل التأويل يقول : معناها فقهر وغلب ، وكل مذلل مقتل ، قال الشاعر ( 2 ) وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي * بسهميك في أعشار قلب مقتل وقال الزهري : عذب ، وهو من باب الدعاء . " كيف قدر " قال ناس : " كيف " تعجيب ، كما يقال للرجل تتعجب من صنيعه : كيف فعلت هذا ؟ وذلك كقوله : " انظر كيف ضربوا لك الأمثال " [ الاسراء : 48 ] . " ثم قتل " أي لعن لعنا بعد لعن . وقيل : فقتل بضرب من العقوبة ، ثم قتل بضرب آخر من العقوبة " كيف قدر " أي على أي حال قدر . ( ثم نظر ) بأي شئ يرد الحق ويدفعه . ( ثم عبس ) أي قطب بين عينيه في وجوه المؤمنين ، وذلك أنه لما حمل قريشا على ما حملهم عليه من القول في محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر ، مر على جماعة من المسلمين ، فدعوه إلى الاسلام ، فعبس في وجوههم . . قيل : عبس وبسر على النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه . والعبس مخففا ( 3 ) مصدر عبس يعبس عبسا وعبوسا : إذا قطب . والعبس ما يتعلق بأذناب الإبل من أبعارها وأبوالها قال أبو النجم : كأن في أذنابهن الشول * من عبس الصيف قرون الأيل ( وبسر ) أي كلح وجهه وتغير لونه ، قاله قتادة والسدي ، ومنه قول بشر بن أبي خازم : صبحنا تميما غداة الجفار ( 4 ) * بشهباء ملمومة باسره
--> ( 1 ) تخلج المجنون في مشيته : تجاذب يمينا وشمالا . ( 2 ) هو امرؤ القيس . ( 3 ) كلمة : ( مخففا ) ساقطة من الأصل المطبوع . ( 4 ) الجفار : موضع . وقيل هو ماء لبني تميم .